العيني
209
عمدة القاري
يستبعد هذا ، لأن هذا الحديث مذكور في الكتاب ، وهذا أوجه وأقرب إلى القبول من قول بعضهم في بيان المطابقة في بعض المواضع بين الحديث والترجمة أنه أشار بهذا إلى حديث خرجه فلان ولم يذكره في كتابه ، ووجه ذلك أن للترجمة أربعة أجزاء . الجزء الأول : هو قوله دعوة اليهودي والنصراني ، ووجه المطابقة فيه أنه صلى الله عليه وسلم دعا هرقل إلى الإسلام ، وهو على دين النصارى واليهودي ، ملحق به . الجزء الثاني : هو قوله : على ما يقاتلون عليه ، ووجه المطابقة فيه أنه صلى الله عليه وسلم أشار في كتاب أن مراده أن يكونوا مثلنا ، وإلاَّ يقاتلون عليه ، كما في حديث علي ، رضي الله تعالى عنه الآتي بعد هذا الباب ، فقال : نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا . الجزء الثالث : هو قوله : وما كتب إلى كسرى وقيصر ، وهذا ظاهر . الجزء الرابع : هو قوله : والدعوة قبل القتال ، فإنه صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإيمان بالله ، وتصديق رسوله ولم يكن بينه وبينهم قبل ذلك قتال ، فافهم ، فإنه فتح لي من الفيض الإلَهِي ، ولم يسبقني إلى ذلك أحد . ذكر معناه : قوله : ( قيل له ) أي : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( لا يقرأون كتاباً إلاَّ أن يكون مختوماً ) ، وذلك لأنهم كانوا يكرهون أن يقرأ الكتاب لهم غيرهم ، وقد قيل في قوله تعالى : كتاب كريم ، إنه مختوم . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كرامة الكتاب ختمه . وعن ابن المقنع من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه ، فقد استخف به ، قوله : ( فاتخذ خاتماً من فضة ) وكان اتخاذه الخاتم سنة ست ، وأيضاً كان إرساله بكتاب إلى هرقل في سنة ست ، وكان بعث صلى الله عليه وسلم ستة نفر إلى الملوك في يوم واحد ، منهم : دحية بن خليفة أرسله إلى قيصر ملك الروم ومعه كتاب ، قاله الواقدي ، وذكر البيهقي أنه كان في سنة ثمان . قوله : ( خاتماً ) فيه أربع لغات : بفتح التاء وكسرها وخيتام وخاتام ، والجمع : خواتيم . قوله : ( من فضة ) ، يدل على أنه لا يجوز : من ذهب ، لما روي من حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة : أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذهب ، ولما روى البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب : أمرنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع ، وفيه : نهانا عن خواتيم الذهب أو عن أن نتختم بالذهب . فإن قلت : روى الطحاوي وأحمد في ( مسنده ) من حديث محمد بن مالك الأنصاري مولى البراء بن عازب قال رأيت على البراء خاتماً من ذهب ، فقيل له : قال : قسم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم غنيمة فألبسنيه . وقال : إلبس ما كساك الله ورسوله ، فقال الطحاوي : فذهب إلى قوم إلى إباحة لبس خواتيم الذهب للرجال ، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث ، وأراد بالقوم هؤلاء : عكرمة والأعمش وأبا القاسم الأزدي ، وروي ذلك عن البراء وحذيفة وسعد وجابر بن سمرة وأنس ابن مالك رضي الله تعالى عنهم . قلت : خالفهم في ذلك آخرون منهم : سعيد بن جبير والنخعي والثوري والأوزاعي وعلقمة ومكحول وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، فإنهم قالوا : يكره ذلك للرجال . واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة المذكور ، وبحديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه مسلم : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القسي والمعصفر وعن تختم الذهب . . . الحديث . والحديث رواه أبو داود في كتاب الخاتم ، والترمذي في اللباس ، والنسائي في الزينة عن زيد بن الخباب عن عبد الله بن مسلم السلمي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه خاتم من حديد ، ( فقال : ما لي أرى عليك حلية أهل النار ) ثم جاء وعليه خاتم من شبه ، فقال : ( ما لي أجد منك رائحة الأصنام ؟ ) فقال : يا رسول الله ! من أي شيء اتخذه ؟ قال : اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالاً ، زاد الترمذي : ثم جاء وعليه خاتم من ذهب ، فقال : ( ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة ؟ ) وقال : صفر ، موضع شبه ، وقال : حديث غريب . قلت : رواه أحمد والبزار وأبو يعلى الموصلي في ( مسانيدهم ) وأبو حبان في ( صحيحه ) فإن قلت : كيف التوفيق بين حديثي البراء وهما متعارضان ظاهراً ؟ قلت : إذا خالف الراوي ما رواه يكون العمل بما رآه لا بما رواه ، لأنه لا يخالف ما رواه إلاَّ بدليل قام عنده ، وكان فص خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ، حبشياً . وقال ابن الأثير : قوله : ( حبشياً ) ، يحتمل أنه أراد من الجدع أو العقيق ، لأن معدتهما اليمن والحبشة ، أو نوعاً آخر ينسب إليه . قوله : ( إلى بياضه ) أي : إلى بياض الخاتم في يد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقيل : كان عقيقاً . وفي ( الصحيح ) من رواية حميد عن أنس : كان فصه منه ، ولا تعارض لأنه لا مانع أن يكون له خاتمان أو أكثر . قوله : ( ونفش فيه محمد رسول الله ) ، وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : وقال : حدثنا